ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

285

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

وخلوة ينجو بها من آفات الزمان ظاهرا وباطنا ، وجوع تميت به الشهوات والوساوس ، وسهر تنوّر به قلبك وتصفّي به طبعك وتزكّي به روحك . وقيل : إن المنصور الخليفة العباسي أرسل إلى الصادق عليه السّلام وقال له : لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس ؟ فأرسل عليه السّلام إليه في الجواب : ما عندنا من الدنيا ما نخافك عليه ، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنيك عليها ، ولا تعدها نقمة فنعزيك عليها ، فلم نغشاك عليها ؟ فأرسل إليه ثانية : تصحبنا لتنصحنا . فأرسل الإمام عليه السّلام : من أراد الدنيا فلا ينصحك ومن أراد الآخرة فلا يصحبك . وقال الصادق جعفر بن محمد عليه السّلام : مطلوبات الناس في الدنيا الفانية أربعة : الغنى والدعة وقلة الاهتمام والعزّ ، فأما الغنى فموجود في القناعة ، فمن طلبه في كثرة المال فلم يجده ، وأما الدعة فموجود في خفة المحمل ، فمن طلبها في ثقله لم يجدها ، وأما قلة الاهتمام فموجود في قلة الشغل ، فمن طلبها في كثرته لم يجدها ، وأما العز فموجود في خدمة الخالق ، فمن طلبه في خدمة المخلوق لم يجده . وعن الصادق جعفر بن محمد عليه السّلام قال : عجبت لمن فزع من أربع كيف لا يفزع إلى أربع ، عجبت لمن يخاف شيئا من سوء كيف لا يفزع إلى قوله ( عزّ وجلّ ) : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ « 1 » فإني سمعت اللّه ( عزّ وجلّ ) يقول : فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ « 2 » وعجبت لمن اغتم كيف لا يفزع إلى قوله ( عزّ وجلّ ) : لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ « 3 » فإني سمعت اللّه ( جلّ جلاله ) يقول بعقبها : فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ « 4 » وعجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قوله : وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ « 5 » إني سمعت اللّه ( جلّ جلاله ) يقول بعقبها : فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا « 6 » وعجبت لمن أراد الدنيا وزينتها كيف لا يفزع إلى قوله ( تبارك وتعالى ) : ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ « 7 » فإني سمعت اللّه ( عزّ اسمه ) يقول بعقبها : إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً

--> ( 1 ) - آل عمران : 173 - 174 . ( 2 ) - آل عمران : 173 - 174 . ( 3 ) - الأنبياء : 87 . ( 4 ) - الأنبياء : 88 . ( 5 ) - غافر : 44 . ( 6 ) - غافر : 45 . ( 7 ) - الكهف : 39 .